النويري
197
نهاية الأرب في فنون الأدب
وجمعوا حشودهم ، واستفرغوا في الاستنفار والاستظهار طاقتهم ومجهودهم ؛ ومالأهم على ذلك من المجاورين من أبطن شقاقه ، وكنتم نفاقه ، وأنساه الشيطان ما سلف من تنفيسنا عنه وقد لازم الحتف خناقه ؛ ونحن في ذلك نوسعهم إمهالا ؛ ونبسط لهم في التّوغل آمالا ، ونأخذا أمرهم بالأناة استدرجا لهم لا إهمالا ؛ إلى أن بعدوا عن مواطن الهرب ، وحصل من استدراجهم الأرب ؛ فوثبنا عليهم وثوب الليث إذا ظفر بصيده ، ونهضنا نحوهم نهوض الحازم إذا وقع [ عدوّه « 1 » ] في أحبولة كيده ؛ وصدمتهم جيوشنا المنصورة صدمة فللت غربهم ، وأبطلت طعنهم وضربهم ، وصبغت بدمائهم تربهم ؛ وحكَّمت السيوف في مقاتلهم ، [ ومكَّنت الحتوف من صاحب رأيهم ومقاتلهم « 2 » ] ؛ وسلَّطت العدم على وجودهم ، وحطَّتهم عن سروجهم إلى مصارعهم أو قيودهم ؛ « فغلبوا هنا لك وانقلبوا صاغرين » ، وعادوا على عادتهم خاسئين ، ورجعوا على أعقابهم خاسرين ؛ وما أغنى عنهم جمعهم ، وما أفادهم بصرهم فيما شاهدوه من قبل ولا سمعهم ؛ فركن من بقي منهم إلى الفرار ، وعاذ ببرد الهرب من لهب تلك السيوف الحرار وظنّ من انهزم منهم أنه فات الرماح ، فتناولته بأرماح من العطش القفار ؛ فولَّوا والرعب يزلزل أقدامهم ، والذّعر يقلَّل إقدامهم ؛ والصّفاح تتخطَّفهم من ورائهم والجراح تطمع الطَّير في أكلهم حتى تقع على أحيائهم ؛ حتى أصبحوا هشيما تلعب « 3 » بهم الصّبا والدّبور ، أو أحياء يئس منهم أهلهم « كما يئس الكفّار من أصحاب القبور » وصفحنا عمّن نافقنا ووافقهم ولولا ذلك لما نجا ، ورجا عواطفنا في الإبقاء على نفسه ، فأجابه حلمنا - وعلمنا أنه في القبضة - إلى ما رجا ؛ فليأخذ الملك حظَّه من
--> « 1 » هذه الكلمة ساقطة من الأصل ؛ وقد أثبتناها عن حسن التوسل ص 97 ط الوهبية إذ لا يستقيم الكلام بدونها . « 2 » التكملة عن حسن التوسل ؛ وتمام السجع الذي التزمه الكاتب في رسالته يقتضى إثباتها . « 3 » في الأصل : « بلغت بهم » الخ وهو تحريف .